الشيخ محمد الصادقي
91
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
الطيبات ، كالبهيمة المربوطة همها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها ، أو أترك سدى وأهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة . . ( 284 ) - ذلك ، وفيما يروى عن رسول الهدى ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » حيث شبه الدنيا بالسجن للمؤمن إذ قصر فيها خطوة عن اللذات المرسلة ، وكبح لجامه عن الشهوات المقبلة ، وحصر نفسه عن التسرع إلى ما تدعو إليه الدواعي ، والأهواء المردية ، وكان زمام نفسه وخطامها وهاويها وإمامها خائفا خوف الجاني المرعوب ، والطريد المطلوب ، في عصبته عملوا للمعاد ، وقطفوا للزاد ، تحسبهم من طول سجودهم أمواتا ، ومن طول قيامهم نباتا . وشبهها ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) بالجنة للكافر من حيث استوعب فيها شهواته ، واستفرغ لذاته ، وقضى فيها الأوطار ، وتعجّل المسارّ ، واستهواه عاجل حطامها ، وريق جماعها ، فنسي العاقبة ، واستهان بالمغبة ، فكان ميّت الأحياء ، كما كان المؤمن حي الأموات « 1 » . وإليكم من زهادة المرسلين ( عليهم السّلام ) برواية علي أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) : « وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث يقول : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير » واللّه ما سأله إلّا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشدّب لحمه ( الخطبة 158 ) -
--> ( 1 ) . يقول السيد الشريف الرضي في المجازات النبوية ( 36 ) بعد هذا التفسير للحديث : من أحسن ما سمعته في هذا المعنى أن بعض الزهاد المنقطعين طلب القوت من بعض الراغبين المفتونين ، فقيل له في ذلك ، فقال : أنا مسجون وهو مطلق ، وهل يأكل المسجون إلّا من يد المطلق .